الأقسام

ورطة الليل

يعود الليل في كل مرة كأنه عجوز يلقي عباءته السوداء المهترئة ببطء على الكون فيظلم منه كل شيء؛ ليقف المرء بعدها في مواجهة مع ذاته تفزعه طَرقات القلق على نافذة قلبه، ويؤرقه ضجيج الماضي وجلبته وهو يجول بين ركام الذاكرة ويبعثرها في ثنايا صدره.  

تغريني أبداً أوصاف الشعراء لليل كما يغري الطيرَ تنفس الصباح كل فجرٍ طروباً يغرد مصفقاً بجناحيه كأنه يراه لأول مرة في حياته!

فيا لك من ليل كأن نجومه ** بكلّ مُغار الفتل شدّت بيذبل!

يفتنّ امرؤ القيس في وصف انزعاجه من طول الليل مشبهاً نجومه وقد رُبط كل منها بحبل شديد الفتْل على جبل “يذبل” الضخم، فهي لا تتحرك أبداً ولا تقدر على ذلك، كأنما توقف الليل عن السير فبات صورة ثابتة قد رُسمت باليد أو التقطت ببراعة من مصور فذّ فلا يتحرك منها شيء ولا يتغير فيها شيء!

أما عمر بن أبي ربيعة فيبدي انزعاجه المرير من سرعة مضيّ الليل وقِصره بين يدي محبوبته قائلاً:

فيا لك من ليل قد تقاصر طوله ** وما كان ليلي قبل ذلك يقصر!

والليل في عالم النفس الإنسانية عودة إلى الذات، ومواجهة حاسمة معها، فلئن كان النهار يُمتدح بالحياة البادية فيه، والنّعم الفاشية في ساعاته، فالليل هو بمثابة كينونة أخرى، لا مجرد زمان تتبدّى فيه الأحداث كما تتبدّى في ساعات النهار، ففي الليل ينكفئ المرء على ذاته ويعود على نفسه بالسؤال والاستفهام، ويخلع باب ذاكرته فينبش منها بعشوائية مطلقة أحداثاً لا ترابط بينها ولا تماثل، ينزعها من سياقاتها المختلفة ثم يضعها على طاولة حوار تخلو من قواعد الجدل والمنطق، إن سكون الليل وهدوءه هو تمظهرات السراب التي تتبدّى في النهار، فالصخب والضجيج الذي يتنامى مع طلوع الشمس لا يختفي عند غروبها، إنما يتسرب إلى نفوسنا كما يتسرب الليل إلى عالمنا الفسيح، إن سكون الليل سراب يخبئ خلفه ضجيجاً مرهقاً في نفوسنا، وسؤالاتٍ جوابها البحث عن نافذة لا وجود لها إلا في رحمة النوم، إن هذا النسيم العابر في هزيع الليل ليس سوى نفثات خادعة منه، ففي دواخلنا مشانق تنصب عند غروب شمس كل يوم، وجلادون يطلّون بسياطهم بين نوافذ قلوبنا البريئة لتبدأ حينها محاكمة قاسية للذات لا ينهيها إلا شروق شمس يوم جديد ثم تستأنف مرة أخرى بعد غروبها!

وليل كموج البحر أرخى سدوله ** علي بأنواع الهموم ليبتلي

فقلت له لما تمطّى بصلبه ** وأردف أعجازاً وناء بكلكل

ألا أيها الليل الطول ألا انجلِ ** بصبح وما الإصباح منك بأمثلِ

يشبّه امرؤ القيس إقبال الليل بموج البحر وهو يرتفع ثم يغطي ما دونه ويرخي سدوله كما تُرخى على النوافذ أستارها، حاملاً معه ألواناً من الهموم، حتى إذا استوى الليل تمطّى بصلبه وتمدّد كما يتمدّد المرء بجسده عند استيقاظه من نومه فتتباعد أعضاؤه عن بعضها كما يتباعد عجزه عن صدره، ثم هو مع هذا التباعد الذي يحيط بكل ما حوله يتبع بعضه بعضاً فيطول العهد بأول الليل ولمّا ينقضي آخره، كأنما حُكم على المرء ليل لا ينتهي! وترى النابغة يستلب هذا المعنى فيصفه وصفاً أخاذاً تحسّ به:

كليني لهم يا أميمة ناصب ** وليل أقاسيه بطيء الكواكب

تطاول حتى قلت ليس بمنقضٍ ** وليس الذي يرعى النجوم بآيب

وصدرٍ أراخَ الليل عازبَ همّه ** تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب!

وفي أشعار النابغة خوف وقلق ظاهر ومحسوس من الليل حتى افتنّ في وصفه أيما افتنان، ويخيّل إليك أن النابغة قد قضى عمره يهرب من الليل وهو لا يقدر على أن يجوزه:

فإنك كالليل الذي هو مُدركي ** وإن خلتُ أن المنتأى عنك واسعُ

وعلى أن لليل آلامه وأحزانه، وقلاقله ومخاوفه، إلا أن لهذه الأحزان والمخاوف نقاء أصيل، وعذوبة صافية، تشبه وصف “بدويّ الجبل” لحزنه الذي يطلبه:

هبينيَ حُزناً لم يمرّ بمهجة ** فما كنتُ أرضى منك حزناً مجرباً !

وكثيراً ما تناوش الأدباء الليل دون التصريح بذكره، والتعمية عنه بذكر لوازمه وما اشتمل عليه، كأنما لليل سطوة على كل من ينتقده! فلما أراد “مريد البرغوثي” أن يفصح عن هزائمه وجراحه في معركته المستمرة عندما يضع رأسه في كل ليلة على وسادته قال:

“المخدة سجلّ حياتنا، المسوّدة الأولية لروايتنا التي كل مساء جديد نكتبها بلا حبر ونحكيها بلا صوت ولا يسمع بها أحد إلا نحن، هي حقل الذاكرة، وقد تمّ نبشه وحرثه وتثنيته وتخصيبه وريّه … هي الخربشات التي تأتي على البال بلا ترتيب ولا تركيب، المخدّة هي محكمتنا القطنية البيضاء، الناعمة الملمس، القاسية الأحكام، المخدة هي مساء المسعى، سؤال الصواب الذي لم نهتد إليه في حينه، والغلط الذي ارتكبناه وحسبناه صوابًا …

المخدة هي “يوم القيامة اليومي”، يوم القيامة الشخصي لكل من لا يزال حيًا، يوم القيامة المبكر الذي لا ينتظر موعد دخولنا الأخير إلى راحتنا الأبدية، خطايانا الصغيرة التي لا يحاسب عليها القانون، والتي لا يعرفها إلا الكتمان المعتنى به جيداً، تنتشر في ظلام الليل على ضوء المخدات التي تعرف، المخدات التي لا تكتم الأسرار ولا يهمها الدفاع عن النائم!”[1]

كنت في مواجهة حاسمة مع الأرق عندما بدأت كتابة هذه الأحرف اليائسة تلك الليلة مُنتظراً قدوم الفجر لأقول للّيل ما قاله “ابن جدلان” في قصيدته المشهورة “ألا يالله ياللي تحت هيبة سلطنتك أسلمت”:

ولَجْك الفجر يا ليل الذهول اللي عليّ أظلمت

بعرضِك واقع الماضي عليهّ عرض الأفلامي!

فلئن كانت حروب أسلافنا تبدأ مع شروق الشمس، فإن معاركنا مع ذواتنا تدق أجراسها عندما نقلب الوسادة إلى الوجه الآخر منها لنتحسس برودة باطنها ثم نزيل اللحاف قليلاً لنستلقي على الجانب الآخر مطلقين تنهيدة عفوية تعلن ابتداء جولة جديدة من المعركة اليومية مع ذكرياتنا وقلاقنا ومخاوفنا وهمومنا، ونتساءل -كل مرة- ببراءة الطفولة كما تساءل أحمد بخيت في “لياليه الأربع”: “إذاً من أين يأتي الحزن يا ليلى إذاً من أين؟!”[2]

فبعد هذه المعارك الطويلة والمستمرة مع الأرق؛ لم يعد مستغرباً أن يختبئ الشوق والخوف والقلق والحسرة في قصائد الشعراء بين حجب الليل وثناياه، وأظنني قد حللت اللغز الذي حيّر كثيراً من نقاد الأدب حول سبب اتفاق الشعراء على الكناية عن محبوبتهم باسم “ليلى”؟ أوليس اقتبسوا اسمها من "الليل”؟! فللشعراء معاركهم الليلية التي أبدعوا في نسج صورتها، وللأبرياء الصامتين معاركهم الليلية الموجعة التي عجزوا عن الإفصاح عنها!

قصيراتٌ ليالي القرب

قاسية هي العتمات!

وقفتُ أمام باب الفجر

لم أتجاوز العتبات!

وضيّعت النجوم العشر

يا نجمات يا نجمات! [3]


[1] رأيت رام الله.

[2] الليالي الأربع، أحمد بخيت.

[3] الليالي الأربع، أحمد بخيت.

للمشاركة:


تعليقات



للإشتراك في النشرة البريدية 📩