الأقسام

المعادلة الصعبة

قبل سنتين وفي مثل هذا الوقت بالتحديد كنت أواسي صديقاً لي لمصيبة ألمَّت به في أهله -وقاك الله يا عزيزي كل سوء-، وأذكر أنه قال لي حينها على سبيل الشجن: عبدالرحمن؛ لو لم أكن مسلماً، لا أدري كيف سأواجه هذه الحياة!؟

عفواً، اسمح لي أن أخبرك بقصة هذه التدوينة منذ البداية:

لقد وُلدتُ أنا كما وُلدتَ أنت وكثيرٌ ممن أظنهم يقرؤون هذه الأحرف الآن في سياق من النعم أفسد علينا تصوُّر الحياة كما هي في الحقيقة! فعندما نعقد مقارنةً بسيطة بين مفهوم الحياة عند شاب وُلد في دولة مجاورة فعاش تفاصيل الموت والجوع والمرض منذ طفولته؛ وبين طفولة أحدنا التي تبدأ بسجلٍ من التطعيمات الإلزامية لكل الأمراض المعدية وتنتهي بالفحوصات الطبية المتاحة لكل أحد في كل وقت، وإن كنت تقرأ هذه الأحرف الآن من منزلك الفسيح فإن جولةً خاطفة ببصرك على الأرائك الفارهة والأثاث الأنيق والأجهزة المتنوعة التي لا تُحصى عددها في غرفة المعيشة وغرف النوم انتهاءً بالمطبخ الذي ربما احتوى على ثلاجة -أو أكثر- والتي أراهن أنك لم تُبصرها ذات يوم فارغة إلا عند شرائك لها من المتجر، فضلاً عن ملابسك التي اعتدت تجديدها كل سنة بوضعها في أقرب حاوية ملابس إليك، ألا تعبِّر هذه الحاوية عن مظهر من مظاهر الترف الحديثة؟ أليس غريباً أن فكرة الموت لم تعد متخيَّلة لدينا إلا في سياق "كبار السن" فقط؟ بل حتى مفهوم المرض لم يعد متصوَّراً دون وجود دواء له! فسؤال من قبيل: "كيف لم يكتشفوا دواءً بعد!" هو أكثر سؤال تكرر في حقبة "كورونا"!!، بالله عليك ألا يختلف مفهوم الحياة هذا عن مفهوم الحياة لدى شاب توفي أخوه بمرض مفاجئ في صغره لم يعرفوا دواءه، وقُتل والده في حرب أهلية فهو يكدّ على والدته وأخته الصغيرة في مزرعتهم النائية على سفح الوادي؟

حسناً ما علاقة كل هذا بهذه التدوينة؟ إن مجرَّد اصطدامك بمصيبة من مصائب هذه "الدنيا" فإن هذا كفيل بأن يعيد لك موازنة البوصلة من جديد، ويضعك في مواجهة مباشرة مع الذات لتعيد إنتاج مفاهيمك الخاصة في كل ما يحيط بك -بما في ذلك مفهومك عن الحياة نفسها-، ولقد أدرك الإنسان الأول هذا الشقاء الذي يعيشه في هذه الدنيا، فحاول ابتكار مفاهيم وأفكار وفلسفات منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى حضارة اليوم شرقاً وغرباً، ويا للأسى! فإن جميع هذه الحضارات والثقافات والفلسفات فشلت فشلاً ذريعاً في محاولة علاج مشكلة الشقاء الإنساني، لكن الإسلام وبطريقة مذهلة قدَّم علاجاً باهراً لهذه المعادلة الصعبة:

لقد عالج الإسلام مشكلة الشقاء الإنساني انطلاقاً من أرضية صلبة مفادها أن هذه "الدنيا" إنما هي دار بلاء واختبار ليست دار سعادة ولا مكافأة (وأرجو أن تعيد قراءة الجملة السابقة مرة أخرى)، وأن مدتها لا تكاد تُذكر إلى درجة أن الناس يظنون يوم القيامة أنهم ما لبثوا في هذه الدنيا إلا {يوماً أو بعض يوم} أو {ساعة من نهار} تخيَّل!! ثم بعد ذلك يكون الجزاء في يوم يُسمى {يوم الحساب} وهذا اليوم يجمع الله فيه الخلائق كافة منذ آدم وحتى آخر نفس توجد في هذه الأرض ليحاسبهم ويجازيهم بجنة أو نار؛ وهذه الفكرة هي أول فرق بين المعالجات الإنسانية الفاشلة لمشكلة الشقاء الإنساني وبين المعالجة الربانية، فكل ما تكسبه في هذه الدنيا -يا عزيزي- ليس لأنك “شخص كويس”، وكل ما تخسره فيها ليس لأنك “شخص فاشل” أيضاً، فكل ما هو حولك الآن إنما هو امتحان لك، ألم يقل سليمان -عليه السلام- لما رأى نعم ربه بين يديه: {ليبلوني أأشكر أم أكفر}؟ إذاً الأمر لا يقتصر على الآلام والأحزان؛ بل يشمل المكاسب والأفراح! ولستَ معنياً بغيرك -بالمناسبة-، فمن تراه في نعمة أو عافية إنما هو يُختبر بما هو فيه من نعمة وعافية، ولا يدل ذلك -بالضرورة- على أن ما هو فيه = مكافأة من الله له! بل حتى مفاهيم "السعادة" و"جودة الحياة" التي نسمعها اليوم هي مفاهيم ملتبسة في الحقيقة -وأرجو أن يتسع صدرك لي هذه المرة-: فالسعادة بالمفهوم الشائع اليوم هي مجرد عرَض من عوارض السرور، وليست سعادة حقيقية، أعني ليست مستدامة ولا خالصة، لا يمكن أن تجد سعادة مستدامة وخالصة في غرفة الامتحان! وجودة الحياة معناها: أقلُّ قدر ممكن من الأحزان والمشقات، فلا تخلو الدنيا من مشقة في كل شيء حتى السفر الذي نستمتع فيه نعاني فيه مشقات عديدة! وهذه المفاهيم "السعادة المطلقة، جودة الحياة" لم تنتشر إلا في العصور الحديثة مع زيادة الرخاء المادي وغياب البُعد الأخروي، لأنك عندما تؤمن بوجود الحياة الأخروية فستعيش الحياة الدنيا وفق الممكن والمتاح، لكن عندما لا تؤمن بوجود الآخرة مطلقاً فستسعى لتجعل هذه الدنيا فردوساً أخروياً، وهو بالضبط ما يحدث لدى الغرب اليوم، وهو ما تسرب إلينا بخفية فبات تعاملنا مع المصائب والبلايا وكأنها نهاية الحياة! وإلا فالحقيقة أن كل سعادة منشودة لن نجدها إلا في الجنة حيث النعيم الدائم والجودة الحقيقية للحياة، المشكلة أن هذا واضح تماماً وبكثافة في القرآن الكريم، وأننا لا نفهمه حق فهمه حتى نصطدم بمصيبة من مصائب هذه الحياة التي ستمر علينا ذات يوم -لا محالة- كـكِبر وقلة حيلة وانتظار موت -وقاني الله وإياك كل سوء-، وحين تسألك نفسك عند كل مصيبة صغيرة كانت أم كبيرة: "لماذا أنا بالذات!؟" فتذكر يا صديقي أننا جزء من مِلك الله، وأن المالك هو من يتصرف بملكه بعدله، والمملوك هو من يقع عليه التصرف، ولا يملك العباد اختيار الأقدار، لكنهم يملكون الصبر عليها، فـ{ربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخِيرة}! فكل ما في الوجود إما خالق أو مخلوق، والخالق هو المَلِك المتصرف الكامل في صفاته وعلمه، والمخلوق هو الضعيف المفتقر لخالق يأوي إليه، ولأن الخالق خلق الخلق لعبادته، وأجلُّ العبادات الصبر على طاعته وأقداره، ولأن الله يبتلي من يشاء بما شاء، فسؤالك "لماذا أنا بالذات؟" جوابه ببساطة: لأنك العبد وهو الرب، فقد أخبرك أنه خلقك لتؤمن به، وحقيقة الإيمان تتجلى عند الأقدار: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}؟، ويا لعذوبة كلام ابن القيم عندما تجلَّى في الإغاثة فقال: "ومن رحمته بعباده: أن نغَّص عليهم الدنيا وكدَّرها لئلا يسكنوا لها ولا يطمئنوا إليها، ويرغبوا في النعيم المقيم في دار جواره، فساقهم إلى ذلك بسياط الابتلاء والامتحان، فمنعهم ليُعطيهم، وابتلاهم ليُعافيهم، وأماتهم ليُحييهم"[1] بالله عليك، ألا يستحق هذا النص البديع ابتسامة إعجاب خاطفة؟ فلعمري إذا فهمتَ هذا جيداً، علمت أن هذه المعادلة هي المعادلة الوحيدة التي يمكنك أن تنجو بها في هذه الحياة، ولولاها لما استطعت أن تفهم شيئاً مما يدور حولك من وقائع وأحداث أبداً فـ”جزى الله الإيمان عنا خيراً، فلولاه لثقلت على عواتقنا هذه الهموم التي نعالجها، ولولاه لعجزنا عن أن نتنفس نفس الراحة الذي يعيننا على المسير في صحراء هذه الحياة القاحلة. وهل كنا نستطيع أن نبقى في هذه الدار التي لا نُفلت فيها من هم إلى هم، ولا نفرغ فيها من رزء إلى رزء، لولا يقيننا أن هذه الطريق الشائكة التي نسير فيها إنما هي سبيلنا الوحيد الذي يفضي بنا إلى النعيم الذي أعده الله في جواره للصابرين من عباده؟”[2]


[1] إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان 2/917 -بتصرف يسير جداً-.

[2] بول وُرجيني (الفضيلة) - ناردين بيبر ت: المنفلوطي.

للمشاركة:


تعليقات



للإشتراك في النشرة البريدية 📩