الأقسام

عباءة على مقعد الطائرة!

على المقعد ذي الرقم j46 -والذي أجلس فيه الآن- أفتتح ملاحظة جديدة على "ipad" وأبدأ بكتابة هذه التدوينة التي أخشى من انتشارها، فلطالما حرصت على تجنب مواطن الجدل منذ أول مرة نشرت فيها حتى هذا اليوم، وبينما أكتب هذه الكلمات -على وجه التحديد- يجلس عن يميني زوجان يبدو من حالهما حداثة عهدهما بالزواج، ولأن حظّي قد ألجأني إلى المقعد المطلّ على الممرّ في الطائرة فقد تنبّهت إلى إشارات وغمزات يتداولها هذين الزوجين مع المقاعد الأخرى عن يساري في الجانب الآخر، تبين حينها أنني أجلس متوسطاً بين عائلة يسافرون سوية وأنني قد أفسدت عليهم حديثهم وضحكاتهم، أعتذر منك عزيزي القارئ فلست فاعلاً في تطبيقات وسائل التواصل، ولا تستهويني كثيراً مشاهدة المسلسلات -ولو خلت من محظور شرعي-، ولا أعرف كيف أشغل نفسي بتصفح هاتفي، ولأصدقك القول فإن التأمل فينا نحن البشر وفي سلوكياتنا من أجمل ما يمكن التسلّي به عند الفراغ.

هذه المرة سأدخل في الموضوع مباشرة ودون مقدمات فتحملني من فضلك: يلفتني كثيراً عندما تُقلع الطائرة -في الرحلات الدولية- مشهد الفتيات الملتزمات بعباءاتهن أو بما له حكم العباءة مما يسترها الستر الواجب، لا أكذب عليك إن قلت: إن أكثر ما يزعجني في السفر هو مشهد نزع العباءات قبل إقلاع الطائرة، أول مرة رأيت هذا المشهد تساءلت ببراءة الطفل حينها: إن كان الرب في السعودية ليس هو الرب في الدولة الأخرى؟!

قبل قليل سمعت فتاة تقول لصديقتها بانزعاج وهي تمرّ بجانبي: "خوذي الشنطة بفكّ عبايتي الززّفت!" غرقت حينها في سؤالات مختلفة، أدرك الحاجة الفطرية لكل فتاة للتزين والتجمل، وأدرك رهبتها من الأنظار المستنكرة لمظهرها، لكن؛ ما لم أدركه بعد هو أننا لم نفهم أن الواجبات التي فرضها الله علينا هي ابتلاء وامتحان، وليست أمراً تهواه نفوسنا وتحبه!

في الحافلة التي أقلّتنا من المطار سبقني إلى الركوب امرأة عجوز على كرسيها المتحرك، ما لفتني حقاً هو يدها التي تمتد كل دقيقة لتغطي ما قد يظهر من قدميها خشية أن يبدو منها شيء للآخرين، وعن يساري الآن فتاة من تلك العائلة -التي أفسدتُ فرحتها بجلوسي بينهم- وهي تلبس ثوباً واسعاً جداً فوق بنطال واسع كذلك، أو قل أنها تلبس عباءة ترابية اللون وتغطي وجهها بكمامة بيضاء وتمسك بأطراف أكمامها كلما تحركت يداها وهي منشغلة طوال الوقت بعباءتها خشية أن يظهر من جسدها شيء، هذه الفتاة من بين عائلتها هي وحدها من تلبس العباءة ومن الواضح أنها تعيش صراعاً داخلياً عنيفاً بين حشمةٍ اعتادتها وضغطٍ اجتماعي تواجهه.

لقد أسرتني هذه المشاهد، مشهد هذه الفتاة، والخالة العجوز، وتلك الشابة التي تريد نزع عباءتها "الززّفت" على حد تعبيرها، ذات مرة سألتني فتاة في معرض نقاش حول تغطية الوجه قائلة أنها لا تريد تغطية وجهها لأن وجهها جزء من جسدها، وهي أيضاً لا تفهم لماذا يجب عليها تغطيته، -وبالمناسبة؛ وقبل أن يعترض علي أحدهم فهي لم تكن تتبع قولاً فقهياً يجيز كشف الوجه للمرأة-، أذكر أنني أجبتها بأن وجهك جزء منك وكذلك بقية أجزاء جسدك هي جزء منك أيضاً، ومع ذلك أراكِ تغطّين بعضها ولا تغطين الآخر، ولكن دعينا نتأمل في السؤال الأهم لديك: وهو أنك على حد تعبيرك لا تفهمي لم يجب عليك تغطية وجهك؟ وهذا السؤال شائع حقاً، وهو سؤال يجيب على نفسه بنفسه، لم؟ لأن مجرد فهمكِ أننا عباد لله فلن تحتاجي لهذا السؤال مطلقاً، فالعبد يسمع ويطيع، والله هو من يأمر ويُطاع، وكوننا لا نفهم السبب لا يعني أنه لا يجب علينا الفعل، تأملي معي كيف أننا نصوم يوم الثلاثين من رمضان وجوباً، ثم يحرم علينا صيام يوم العيد، ثم نصوم يوم الثاني من شوال استحباباً، ما المعنى من هذا كله وهي أيام متتالية؟ إنما نفعل كل هذا لكوننا عباد لله، فمقتضى العبودية هو الطاعة، قالت لي حينها: ولكني أخجل من تغطية وجهي في أماكن لم أعتد تغطيته فيها وأجد في ذلك مشقة، فأجبتها أن هذا هو مقتضى العبادة حقاً، وإلا فما معنى أن الدنيا دار امتحان وابتلاء إن لم يكن ثمة مشقة؟

وقبل العودة إلى مشهد خلع العباءة "الززّفت" (وأعترف أنها كلمة أزعجتني كثيراً)، دعني أفرق بين حالتين، الأولى: خلع العباءة السوداء ولبس عباءة أخرى ملونة أو غير ذلك مما يحقق القدر الواجب من الستر، وهذا ليس موضع حديثي هنا، إنما المقصود بالحديث هنا: من تنتظر إقلاع الطائرة حتى تلقي العباءة مطلقاً في الأرفف العلوية إلى حين عودتها من البلد الذي سافرت إليه، وليس مرادي هنا بيان الحكم الشرعي بالمناسبة، إنما مرادي من هذه التدوينة هو إيقاظ الضمير النقيّ من سباته، ولا يقتصر على الفتيات فقط، ففي الوقت الذي تخلع فيه الفتاة عباءتها في الطائرة؛ ينزع فيها الفتى قيماً ومبادئ لا يستعيدها إلا على كرسي الطائرة في رحلة العودة من جديد، إذاً ما قيمة المبدأ إن افتقد الثبات والدوام؟ وما معنى القيم والفضيلة إن كان يمكن التخلي عنها مؤقتاً؟!

يغريني كثيراً مشهد أولئك الذين يقفون بشموخ حاملين قيمهم ومبادئهم في كل مكان وزمان، تلك الخالة العجوز، والفتاة الشابة عن يساري، والشاب الذي سمعته ذات مرة يصرخ في وجه صديقه عندما اقترح عليهم الدخول إلى حانة لمجرد الاستكشاف! ولأنه يجب علي أن أختم هذه التدوينة الآن بعدما سمعت صوت المضيفة وهي قادمة تسأل: "?chicken or eggs"، فأقول:

جرّبي ولو مرة أن تفعلي خلاف العادة مما تتمنّي فعله، أن تتنقبي -إن لم تكوني كذلك-، أن تلبسي العباءة في السفر -أياً كان شكلها-، وستفاجئين حينها بأن لا شيء من مخاوفك المتوهمة قد حدث سوى تعليقات متسائلة في أول يومين من المقربين منك، وهذه التجربة -بالمناسبة- مجرد تجربة ليست قراراً يقف عليه حياة الناس في هذا الكوكب، وهذا الاستسلام الذي يخنقك ستتفاجئين به يتلاشى كلما أعدت التجربة مرة أخرى، أقول لك هذا في حال أنك لم تحاولي من قبل، أما إن كنت لا زلت تحاولين فأقول لك ما قاله -جل وعلا- في كتابه: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين".

للمشاركة:


تعليقات



للإشتراك في النشرة البريدية 📩