الأقسام

الذين يَعلون على آلامهم

رمقتني عيناه من بعيد فابتسم وتوجه نحوي ولم يمهلني فرصة للترحيب به حتى جلس إلى جانبي وانساب في حديث طويل ممتد يبث فيه لواعجه ويشكو أحزانه وهمومه وما حلّ به من بلايا ومصائب أقضّت مضجعه، ظلْت مُنصتاً لحديثه هادئاً أرمق عيناه اللاتي تحاصران الدمع الذي يطل من جفنيه بين كلمة وأخرى، عندما انتهى من حديثه وضعت يدي على يده وقلت له: أتعرف عما حلّ بصاحبنا فلان؟ فأجابني متعجباً: لا! فطفقت أخبره عما أصابه من ابتلاءات وما حلّ به من أحزان وهو ينصت مذهولاً مما يسمع، حتى إذا سردت له ما أعرف عن صاحبنا قلت له: ليس هذا وحسب، بل حتى فلان صديقنا في الجامعة قد أصابه كذا وكذا بأشد مما أصابك، فاتسعت عينا صاحبي دهشة، وتوسل إلي بصمته أن أخبره مزيداً مما أعلمه مما يسلّيه في أحزانه وينقذه من همومه.

لم يكن صاحبي يبالغ في التعاطي مع همومه وأحزانه، فالحقيقة التي نكتشفها مع الوقت أن الآلام والأحزان أمر نسبي في الجملة، فمقدار الألم الذي تشعر به لاشك أنه يتأثر بحجم من يشاركك الألم نفسه، على أن صاحبي فيما أرى قد أسلم زمام نفسه لآلامه وأحزانه ولم ينعتق منها، والحقيقة المشاهدة: أن عامة البشر يستسلمون طوعاً لأحزانهم وآلامهم ويستكينون لها، إلا أنه يدهشني دوماً أولئك الذين يعلون على آلامهم بطرق مختلفة، يسيرون ويضحكون كأن لا شيء مما حدث لهم يعنيهم أصلاً، ولديهم من الأنفة ما يجعلهم يقولون في كل مرة: "يابن الحلال تراها بسيطة لا تشيل همّي!"، حتى أنني أتساءل كثيراً إن كان ما قد حدث لهم قد حدث حقاً؟!

لي صديق أعلم مما أصابه من ضروب الحياة وبلواها ما يقض مضجع المرء ويؤرقه، ومع ذلك فإني ما رأيته يوماً إلا جذلاً فرحاً طروباً يقابلني كأنه أسعد الناس على وجه هذه الأرض، ووالله لولا خشية أن يبلغه هذا النص لأطنبت في وصف حاله والتعجب من علوّه على آلامه! وكثيراً ما أتذكر إذا رأيته قول ابراهيم الحربي: "ما شكوتُ إلى أمي ولا إلى أختي ولا إلى امرأتي ولا إلى بناتي حُمّى قطّ وجدتها، الرجلُ هو الذي يُدخل غمّه على نفسه ولا يَغمّ عياله، وكان بي شقيقة (صداع) خمساً وأربعين سنة ما أخبرت بها أحداً قط، ولي عشرون سنة أُبصر بفردِ عين ما أخبرت بها أحد قط"!١

وبالأمس تقصّ علي والدتي قصة فتاة تعرفها عن قرب مُلئت أدباً وخلقاً ولطفاً قد بُليت بمرض تسبب لها غيرها به ظلماً وجوراً ولم تخبر أحداً بذلك مدة طويلة، وهي في هذا كله لم يتغير أدبها ولطفها ودماثة خلقها البتة، عندما ختمت والدتي حكايتها تذكرتُ اقتباساً مشجياً من رواية "نساء صغيرات" كنت قد احتفظت به قديماً: "العالَم ولا شك مليء بفتيات مثل "بِث"، يقنعن بالانزواء، ويضحّين من أجل سعادة غيرهن، ويعِشْن في إنكارٍ جميل للذات، ولا يحسسن بعِظَم نصيبهنّ حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً، فتسكت أصواتهن الجميلة عن الكلام، وتغيب شموسهنّ الساطعة عن الوجود، فيرحلن عن الحياة وقد خلّفن لأحبتهن سيَرًا عاطرة وذكريات لا تموت"٢

أتَذْكُر جدتك التي أدركت حياة الشظف وعاشتها ولم يفتأ لسانها عن حمدلله وشكره؟ ولابد أنك سمعت عن فتاة لطيفة وديعة نقية سمحة عاشت ضروباً من الفقد أو قلة ذات اليد وهي مع كل هذا راضية عفيفة النفس لا تغريها مباهاة زميلاتها على "سنابشات" ولا يفسدها مفاخرة الأخريات على "تيكتوك"؟ ولربما رأيت ذلك الفتى الذي اعتلى على معاناته في كسب الرزق وإطعام الأهل والعيال ولم تزده معاناته إلا شموخاً وأنفة؟

التفت حولك قليلاً وستجد أولئك الذين لا يريدون من الحياة سوى ما تجود به حياتهم وحسب، ليس لديهم كثير أمنيات، يستفتحون كل يوم بابتسامة هادئة يستعدون بها لتقبل كل شيء، لديهم آلامهم التي يشعرون بها، لكنها مُنزوية -دوماً- في دواخلهم لئلا يشعر بها أحد، فلديهم من المصائب ما جعلت آلام الحياة تضعضع أمام أقدامهم، ولديهم من الرضى واليقين ما كساهم وقاراً يليق بهم، يبصرون الدنيا موطناً للابتلاء، ويرون الخلاص في الصبر والرضى، ويجدون السعادة في ذكر الله والأنس بحضرته، ويأملون فراق هذه الدنيا وليس عليهم مظلمة لأحد من خلقه، على سيماهم الطمأنينة، تعلوهم ابتسامة هادئة غير مصطنعة، ابتسامة تعبر عن يقين راسخ، وإيمان خالط بشاشة القلب فاستقر به، إن فاتهم أمر "قالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون"، وإن "أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون"



١ طبقات الحنابلة م ١ ص ٢١٩ ↩

٢ النص الأصلي من رواية نساء صغيرات ص٦٩ ج١ - لويزا الكوت ↩

للمشاركة:


تعليقات



للإشتراك في النشرة البريدية 📩